الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
81
نفحات القرآن
سواء وبدون استثناء ، وإلّا فإنّ الاستدلالات العقلية مهما كانت واضحة فانّها لا يمكن أن تكون شاملة وعامّة إلى هذه الدرجة وخاصّة بين جماعة بعيدة عن العلم والفكر . من هنا فإنّا نعتقد أنّ الآيات الخمس أو أمثالها تشكّل أدلّة على التوحيد الفطري . ولذا يقول صاحب تفسير « روح البيان » في ذيل الآية 9 من سورة الزخرف : « وفي الآية إشارة إلى أنّ في جبلة الإنسان معرفة للَّهمركوزة » « 1 » . وفي تفسير « الفخر الرازي » في ذيل الآية 87 من سورة الزخرف عرض لهذا المضمون على صورة سؤال وجواب فيقول : « ظنّ قوم أنّ هذه الآية وأمثالها في القرآن تدلّ على أنّ القوم مضطرون إلى الاعتراف بوجود الإله للعالم ، وقوم إبراهيم قالوا : « وَانَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدعُونَنَا إِلَيهِ » . ( إبراهيم / 9 ) فيقال لهم : لا نسلّم أنّ قوم فرعون كانوا منكرين لوجود الإله ، والدليل على قولنا ، قوله تعالى : « وَجَحَدُوا بِهَا واستَيقَنَتْهَا أَنفُسُهُم ظُلماً وَعُلُواُ » . ( النمل / 14 ) وجاء في قوله تعالى حيث قال موسى عليه السلام لفرعون : « لَقَد عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاواتِ وَالأَرضِ بَصَائِرَ » . ( الاسراء / 102 ) فالقراءة بفتح التاء في علمت تدلّ على أنّ فرعون كان عارفاً باللَّه ، وأمّا قوم إبراهيم عليه السلام حيث قالوا : « وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدعُونَنَا إِلَيهِ » فهو مصروف إلى إثبات القيامة وإثبات التكاليف وإثبات النبوّة » « 2 » . وفي التعبير ب ( لقد علمت . . . . ) إشارة واضحة إلى هذا المعنى . والطريف أنَّ آيتين من هذه الآيات تذكران في النهاية بعد أخذ الإقرار من الكفّار والمشركين بأنَّ اللَّه هو الخالق للإنسان والأرض والسماوات : « فَأَنِّى يُؤفَكُونَ » « 3 » . وبناء الجملة للمجهول إشارةٌ إلى أنَّ ذواتهم تسير في طريق الفطرة ، غير أنَّ أسباباً خارجية وهي ( شياطين الجنّ والإنس ) ، وأسباباً داخلية وهي ( أهواء النفس والعصبية
--> ( 1 ) تفسير روح البيان ، ج 8 ، ص 353 ، ذيل الآية 87 من سورة الزخرف إشارة إلى هذا المعنى أيضاً . ( 2 ) التفسير الكبير ، ج 8 ، ص 399 ، ج 27 ، ص 233 . ( 3 ) « تؤفكون » مشتق من « الإفك » ويعني الإرجاع والحرف ولذا يطلق « الإفك » على الكذب أيضاً كما تطلق « المؤتفكات » على الرياح المعارضة .